أولاً، عودة رأس المال إلى أوروبا: إشارة تم تجاهلها

في عام 2024، شهد الاستثمار المباشر الصيني في أوروبا أول انتعاش ملحوظ منذ سبع سنوات. وفقًا لبيانات الرصد المشتركة بين مجموعة روديوم ومركز ميركاتور للدراسات الصينية، بلغ إجمالي استثمارات الصين في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة 10 مليارات يورو، بزيادة 47% عن العام السابق. ورغم أن هذا الرقم يعادل فقط خمس ذروة عام 2016، إلا أنه قلب مسار الانخفاض الطويل الأمد، مما يشير إلى دخول توزيع الأصول الصينية في الخارج دورة جديدة.

من الجدير بالملاحظة أن هذا الانتعاش ليس ظاهرة أوروبية معزولة. فعلى الصعيد العالمي، ارتفع الاستثمار المباشر الصيني الخارجي لأول مرة بعد سبع سنوات من الانخفاض المتواصل ليصل إلى 52 مليار يورو. لكن الأداء الأوروبي كان بارزًا بشكل خاص — إذ استوعبت أوروبا 53.2% من الاستثمارات الصينية المتجهة إلى الاقتصادات ذات الدخل المرتفع، وارتفعت حصتها من إجمالي الاستثمارات الصينية الخارجية من 15.4% في عام 2023 إلى 19.1%، وهي أول زيادة ملحوظة منذ عام 2018.

غالبًا ما تكشف التغيرات في اتجاه تدفقات رأس المال عن اتجاهات أعمق من البيانات المنفردة. فبينما تواجه الشركات الصينية ضغوطًا مستمرة في الولايات المتحدة، وتتوسع حصة الاستثمارات في الأسواق الناشئة إلى 64%، تظل أوروبا الوجهة الأهم لرأس المال الصيني في الاقتصادات المتقدمة. هذا النمط القائل "عندما تظلم الشرق، تشرق الغرب" هو انعكاس لإعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية، كما أنه استراتيجية للشركات الصينية لمواجهة الحواجز التجارية.

ثانيًا، تغير البنية: هيمنة الاستثمار الأخضر وعودة نشاط عمليات الاندماج والاستحواذ

من السمات المهمة لانتعاش الاستثمار الصيني في أوروبا في عام 2024 هو الدفع المزدوج لكل من الاستثمار الأخضر وصفقات الاندماج والاستحواذ. فقد نما الاستثمار الأخضر للعام الثالث على التوالي ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 5.9 مليار يورو، ما يمثل 59% من إجمالي الاستثمارات، ومستمرًا في لعب دوره المهيمن. وفي المقابل، بعد أن هبطت عمليات الاندماج والاستحواذ في عام 2023 إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2009، قفزت بقوة إلى 4.1 مليار يورو.

لم يكن تعافي صفقات الاندماج والاستحواذ شاملًا، بل تركز في عدد قليل من الصفقات الكبرى — استحواذ تينسنت على مطور الألعاب البولندي Techland مقابل 1.5 مليار يورو، واستحواذ هاير على أعمال التبريد التجاري الهولندية التابعة لشركة Carrier مقابل 716 مليون يورو، واستحواذ AAC Technologies على شركة الصوتيات البلجيكية PSS NV مقابل 475 مليون يورو. مجتمعة، شكلت هذه الصفقات الثلاث ما يقرب من ثلثي إجمالي عمليات الاندماج والاستحواذ. وهي تشير مجتمعة إلى اتجاه: لم تعد عمليات الاستحواذ الخارجية للشركات الصينية تهدف إلى توسيع الحجم، بل إلى الحصول بدقة على القدرات التقنية والعلامات التجارية والقنوات وقدرات الأسواق المتخصصة، لتحقيق تآزر مع أعمالها الأساسية.

أما الاستثمار الأخضر فقد تركز تقريبًا بالكامل حول سلسلة صناعة السيارات الكهربائية. فقد استوعبت مشاريع السيارات الكهربائية 4.9 مليار يورو، ما يمثل 83% من إجمالي الاستثمار الأخضر، بعد أن كانت هذه النسبة 17% فقط في عام 2021. وتعد المراحل الوسطى — تصنيع البطاريات والمواد الأولية — الأكثر كثافة استثمارية. ويشكل توسعة مصنع CATL في دبرتسن بالمجر، وقاعدة بطاريات Envision AESC في دويه بفرنسا، ومصنع BYD للسيارات في سيغد بالمجر، مشاريع بارزة للاستثمار الصيني في أوروبا خلال عام 2024.هذا التحول في البنية الاستثمارية يعكس انتقال القدرة التنافسية للصناعة الصينية. فخلال العقد الماضي، كانت الاستثمارات الصينية في أوروبا تركز على الصناعات التقليدية مثل الآلات والأجهزة المنزلية والتمويل؛ أما اليوم، فقد حلت محلها تكنولوجيا الطاقة النظيفة والمركبات الكهربائية الجديدة. وأصبح الاتحاد الأوروبي رأس جسر للمؤسسات الصينية للالتفاف على الحواجز الجمركية والاقتراب من الأسواق العالمية الراقية، كما أن الاستقدام التنافسي للاستثمارات الصينية من قبل الدول الأوروبية زاد من تضخيم هذا التأثير.

٣. إعادة التشكيل الجغرافي: صعود المجر وتراجع «الدول الثلاث الكبرى»

شهدت خريطة الاستثمارات الصينية في أوروبا عام 2024 تغييرات جذرية. وللعام الثاني على التوالي، أصبحت المجر أكبر دولة متلقية للاستثمارات الصينية، حيث استقطبت 3.1 مليار يورو من الاستثمارات الصينية، بزيادة سنوية قدرها 73%، وهو ما يمثل 31% من إجمالي الاستثمارات الصينية في أوروبا. ومن بين أكبر عشرة مشاريع استثمارية صينية متجهة إلى أوروبا في عام 2024، كان هناك أربعة مشاريع في المجر — بما في ذلك ثلاثة مصانع لبطاريات المركبات الكهربائية ومصنع واحد لتجميع المركبات.

وفي المقابل، انخفضت الحصة المجمعة للوجهات التقليدية الثلاث الكبرى — بريطانيا وألمانيا وفرنسا — بشكل حاد من متوسط 52% خلال الفترة من 2019 إلى 2023 إلى 20%. كما تراجعت الاستثمارات الصينية التي تستوعبها هذه الدول الثلاث بشكل كبير، ولا توجد مؤشرات على أن هذا الاتجاه على وشك الانعكاس.

وهذا التحول الجغرافي ليس مصادفة. فصعود المجر يعود إلى أنها توفر مزايا استراتيجية متعددة: تكاليف عمالة أقل بكثير من أوروبا الغربية، ونفاذًا دون عوائق إلى سوق الاتحاد الأوروبي، وبيئة سياساتية صديقة للمستثمرين الشرقيين — بما في ذلك الحوافز الضريبية وإعانات التوظيف ومراجعة فضفاضة للاستثمارات الأجنبية. وفي الوقت نفسه، أدرجت الحكومة المجرية صناعة المركبات الكهربائية ضمن استراتيجيتها الوطنية، وتتفاعل بنشاط مع احتياجات المؤسسات الصينية، مما خلق تأثير «المحور الصناعي».

وبمعنى ما، فإن الانتشار الواسع للمؤسسات الصينية في المجر هو «اختيار موقع ثانوي» لشبكة الإنتاج العالمية داخل أوروبا. فعندما تتصاعد حذر دول أوروبا الغربية تجاه الاستثمارات الحساسة القادمة من الصين، تقدم دول أوروبا الوسطى والشرقية بدائل بموقف أكثر إيجابية — وخلف ذلك تكمن المنطق الصناعي ودوافع التنافس الجغرافي-الاقتصادي معًا.

ومع ذلك، يجب الإشارة إلى أن المخزون الاستثماري الصيني في أوروبا لا يزال محدودًا. فحتى مع حظوة مشاريع المركبات الكهربائية باهتمام كبير، فإن المخزون الاستثماري الصيني المرتبط بالمركبات الكهربائية لا يزال ضئيلًا مقارنةً بالمخزون الإجمالي للاستثمارات الأجنبية في أوروبا، والمخزون الاستثماري الأوروبي في الصين، وحجم التجارة بين الصين وأوروبا. وصحيح أن المجر أصبحت وجهة بارزة للاستثمارات الصينية، لكن المستثمرين القادمين من داخل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ما زالوا يهيمنون على قطاعات متعددة.

٤. لعبة تنظيمية: «الانفتاح الدفاعي» الأوروبي و«السماح الانتقائي» الصيني

في وقت تتعافى فيه الاستثمارات الصينية في أوروبا، تتوسع آليات المراجعة الاستثمارية الأوروبية بشكل منهجي. فخلال العام الماضي، دفع الاتحاد الأوروبي نحو إنشاء إطار أكثر توحدًا للمراجعة الاستثمارية، مطالبًا الدول الأعضاء بتعزيز مراجعة المعاملات التي تشمل البنية التحتية الحيوية والتكنولوجيات المتقدمة والبيانات الحساسة. كما بدأت بعض الدول الأعضاء مناقشة فرض شروط تقييدية أكثر صرامة على الاستثمارات الخضراء الصينية — وهو ما كان يستهدف في الماضي المعاملات المتعلقة بالاندماج والاستحواذ بشكل أساسي.يعكس تشديد السياسات تناقضًا عميقًا في أوروبا: فمن ناحية، ترغب في جذب رأس المال الصيني، ولا سيما سلسلة صناعة السيارات الكهربائية، لدفع انتقالها في مجال الطاقة وتصنيعها؛ ومن ناحية أخرى، تخشى من تسرب التكنولوجيا والاعتماد على السوق ومخاطر الأمن الجيوسياسي. وهكذا، أصبح "الانفتاح الدفاعي" هو الموقف السياسي السائد — الترحيب بالاستثمارات الصينية التي تخدم الأهداف الاستراتيجية الأوروبية، مع فرز موجّه من خلال أدوات السياسة الصناعية والتدابير التجارية الوقائية وآليات المراجعة.

من الجانب الصيني، تتشدد الضوابط على تدفق رأس المال إلى الخارج بشكل هادئ. تركّز مراجعة الحكومة الصينية لاستثمارات الشركات في الخارج على حماية التكنولوجيا والأمن القومي، بما يشكّل "تناظرًا معكوسًا" مع المراجعات الغربية. يواجه المستثمرون الصينيون قيودًا أكبر على عمليات الاندماج والاستحواذ في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة بالخارج، وهو ما يفسر جزئيًا الانتشار المتزايد لنموذج الاستثمار الأخضر — إذ يتيح تجاوز مراجعة الاندماجات والاستحواذات مع الإبقاء على السيطرة على سلسلة التوريد التكنولوجية.

تتجه سياسات الطرفين نحو مزيد من العقلانية والدقة. فلم يعد رأس المال الصيني يتوسع بشكل أعمى، ولم تعد أوروبا تقبل كل من يطرق بابها. هذه العملية من التنافس المتبادل والتكيف المشترك هي التي ترسم الوضع الطبيعي الجديد للاستثمار بين الصين وأوروبا.

خامسًا: الآفاق: النمو بالقصور الذاتي والمخاطر الهيكلية معًا

عند التطلع إلى عام 2025، من المرجح أن يحافظ الاستثمار الصيني في أوروبا على زخم التعافي. فاستكمال عدد من صفقات الاندماج والاستحواذ الكبرى، وبدء إنشاء مصنعين لبطاريات السيارات الكهربائية في عام 2025، سوف يدعمان مستوى الاستثمارات. لكن السؤال الأعمق هو: هل يمكن لنموذج النمو القائم على السيارات الكهربائية أن يستمر؟

في عام 2024، تراجعت قيمة الاستثمارات الصينية المعلنة حديثًا في مشاريع السيارات الكهربائية بشكل كبير، وأُلغي في الوقت نفسه ثلاثة مشاريع أوروبية كبرى للبطاريات. ويشير ذلك إلى أن موجة الاستثمارات الخضراء المبكرة ذات الطابع "التدفقي" آخذة في البرود، مع فرض أوروبا رسومًا جمركية على السيارات الكهربائية الصينية، وتباطؤ نمو الطلب في السوق، ومرور الشركات الأساسية بمرحلة تعديل في توسعها الخارجي. ولا يوجد حتى الآن قطاع آخر قادر على سد الفجوة التي قد يخلفها تباطؤ استثمارات السيارات الكهربائية.

من منظور أطول مدى، يدخل الاستثمار الصيني في أوروبا مرحلة "استيعاب المخزون القائم والحذر في الإضافات الجديدة". ستظل الاستثمارات الخضراء الشكل الرئيسي، لكن جودة الاستثمار ومتطلبات الامتثال والقدرة على الاندماج في النظام البيئي الصناعي المحلي ستكون محور المنافسة. لن تكون أوروبا مجرد سوق لاستكشافها، بل ساحة اختبار مهمة لعولمة الشركات الصينية — فالتفاعل بين رأس المال والتكنولوجيا والسياسات هنا سيحدد الملامح الأساسية للعلاقات الاقتصادية بين الصين وأوروبا على مدى العقد المقبل.

سواء بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات التي تعيد تحديد موقعها في أوروبا، أو بالنسبة لصناع السياسات الذين يسعون إلى تحقيق توازن في مثلث الصين والولايات المتحدة وأوروبا، توفر هذه الجولة من تقلبات الاستثمار نافذة للمراقبة: إذ تنتقل إعادة هيكلة رأس المال العالمي من السرديات الكبرى إلى التنافس الملموس، ويشكّل التغير البنيوي في الاستثمار الصيني في أوروبا تجسيدًا حيًا لهذا التنافس.