الاقتصاد الأخضر العالمي يتجاوز 10 تريليونات دولار: إعادة توزيع رأس المال وإعادة هيكلة الصناعة بدافع أمن الطاقة
في عام 2025، تجاوزت القيمة السوقية للاقتصاد الأخضر العالمي حاجز 10 تريليونات دولار لأول مرة، وهو رقم لا يمثل فقط دخول الصناعة الخضراء عصر التوسع، بل يعكس أيضًا تحولًا عميقًا في المنطق الأساسي لتدفقات رأس المال العالمي. وفقًا لتقرير "استثمار الاقتصاد الأخضر 2026: المرونة وإعادة التسارع" الصادر حديثًا عن مجموعة بورصة لندن (LSEG)، فإن الاقتصاد الأخضر إذا تم التعامل معه كقطاع واحد، فقد قفز إلى المرتبة الثالثة عالميًا، بعد قطاعي التكنولوجيا والصناعة، متجاوزًا الرعاية الصحية. بلغت سرعة نمو الإيرادات الخضراء أعلى مستوى لها منذ عام 2022، بنسبة 5.3%، بإجمالي 5.5 تريليون دولار، وتغطي أكثر من 21,000 شركة مدرجة و133 نوعًا من المنتجات والخدمات الخضراء.
إعادة تشكيل منطق رأس المال: من المطالب المناخية إلى أمن الطاقة
على مدى العقد الماضي، كان السرد الأساسي للاستثمار الأخضر هو "مواجهة تغير المناخ". لكن بيانات عام 2025 تشير إلى أن الدوافع أصبحت متنوعة بشكل ملحوظ. أدى التوتر الجيوسياسي والتقلبات الحادة في أسعار الوقود الأحفوري إلى جعل أمن الطاقة أولوية للحكومات والشركات. يقول جايكو كوروشي، مدير أبحاث الاستثمار المستدام العالمي في LSEG: "التحول الأخضر يدخل مرحلة جديدة - حيث أصبح أمن الطاقة والقدرة التنافسية الاقتصادية بنفس أهمية إزالة الكربون."
ينعكس هذا التحول مباشرة في توزيع رأس المال: بلغ إصدار السندات الخضراء العالمية رقمًا قياسيًا في عام 2025 بقيمة 605 مليار دولار، بزيادة 5.7% سنويًا، منها 68% صادرة عن الشركات. ليست الشركات ملتزمة فقط بـ ESG، بل تنظر إلى التقنيات الخضراء كأصول استراتيجية لتحوط مخاطر الطاقة وتحسين الكفاءة التشغيلية. منذ عام 2008، تفوق الاقتصاد الأخضر العالمي على سوق الأسهم العالمية بنسبة 130%، بمعدل نمو سنوي مركب 18% مقابل 12%، مما جذب رأس المال الرئيسي بفضل العوائد الزائدة الطويلة الأجل.
التباين الإقليمي: الميزة التراكمية لأمريكا والزخم الجديد للصين
رغم استمرار تراجع سياسات المناخ في الولايات المتحدة خلال فترة ولاية ترامب الثانية، إلا أن القيمة السوقية للاقتصاد الأخضر فيها لا تزال تبلغ 6 تريليونات دولار، مستحوذة على 57% من الحصة العالمية، محتفظة بالمرتبة الأولى. ومن المثير للاهتمام أن 75% من الإيرادات الخضراء الأمريكية تأتي من شركات الحوسبة السحابية، وليس من الطاقة النظيفة التقليدية - مما يعكس أن تخضير البنية التحتية الرقمية أصبح محور نمو جديد. الطاقة النووية، إدارة النفايات، والري المتقدم هي أيضًا مجالات مهمة. لا تزال الولايات المتحدة ثاني أكبر مستثمر في الطاقة النظيفة عالميًا، باستثمار سنوي يبلغ حوالي 400 مليار دولار.
أما الصين فتحتل المرتبة الأولى في استثمارات الطاقة النظيفة بقيمة 625 مليار دولار (30% من الإجمالي العالمي)، وتغطي الطاقة المتجددة، تخزين الطاقة، الطاقة النووية، وكفاءة الطاقة. تساهم آسيا ككل بنحو نصف الإيرادات الخضراء العالمية، بشكل أساسي من الصين، اليابان، كوريا الجنوبية، وهونغ كونغ. لكن تقرير LSEG يشير في الوقت نفسه إلى أن آسيا لا تزال أكبر منطقة في استثمار واستهلاك الفحم عالميًا، حيث تستهلك الصين وحدها 58% من الفحم العالمي - النمو الأخضر والارتباط بالكربون العالي يتواجدان معًا، مما يشكل التناقض الأساسي للتحول الإقليمي.
تصل القيمة السوقية والإيرادات الخضراء لأوروبا إلى 1.2 تريليون دولار، وتحافظ على الريادة في تناسق السياسات، لكن معدل النمو معتدل نسبيًا.### محرك الصناعة: السيارات الكهربائية تقود، والتكامل التكنولوجي يتسارع
في عام 2025، كانت السيارات الكهربائية أكبر مساهم فردي في نمو الإيرادات الخضراء العالمية، حيث زادت الإيرادات بمقدار 62 مليار دولار. وتظهر بيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA) أنه من بين كل أربع سيارات جديدة تم بيعها في ذلك العام، كانت واحدة منها كهربائية. لا تؤثر الكهربة على النقل فحسب، بل تقود أيضًا موجة استثمارية في البطاريات والبنية التحتية للشحن والشبكات الذكية.
مجال آخر جدير بالملاحظة هو الطلب على الطاقة من الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. الهيمنة الساحقة للحوسبة السحابية في الإيرادات الخضراء الأمريكية تشير إلى أن التكامل العميق بين التكنولوجيا الرقمية والكهرباء النظيفة يخلق منافذ رأسمالية جديدة. مؤشر FTSE EOAS التابع لـ LSEG (الذي يضم الشركات التي تتجاوز إيراداتها الخضراء 20%) تفوق على السوق بنسبة 1.4% خلال الـ 12 شهرًا الماضية، في حين أن هوامش EBITDA للشركات التي تتجاوز إيراداتها الخضراء 50% كانت أعلى بنسبة 2 إلى 4 نقاط مئوية - مما يشير إلى أن الشركات الخضراء عالية النقاء تحصل على علاوة مالية جوهرية.
الاتجاه طويل الأجل: الاقتصاد الأخضر يصبح ركيزة النمو العالمية الأساسية
يؤكد تقرير LSEG أن توسع الاقتصاد الأخضر ليس دورة قصيرة الأجل. منذ عام 2008، استمر معدل نموه المركب في التفوق على السوق. تشير دراسة مشتركة بين المنتدى الاقتصادي العالمي وشركة بوسطن كونسلتينغ غروب إلى أنه بحلول عام 2030، ستتجاوز الإيرادات السنوية للاقتصاد الأخضر 7 تريليونات دولار. يعتمد هذا التوقع على التسارع الحالي للاستثمار: ففي عام 2025 وحده، تجاوز إجمالي الاستثمار العالمي في الطاقة النظيفة 2 تريليون دولار.
بالنسبة للمستثمرين متعددي الجنسيات، لم يعد السؤال الرئيسي هو "هل الاقتصاد الأخضر مهم؟"، بل "كيفية تحديد أفضل التوزيعات في بيئات إقليمية وتكنولوجية وسياسية مختلفة". النمو المرتفع والكثافة الكربونية العالية في آسيا يعنيان أن تمويل التحول وآليات التخلص من الفحم سيخلقان فرصًا جزئية؛ ونموذج الإيرادات الخضراء للحوسبة السحابية في الولايات المتحدة يشير إلى علاوة خضراء للبنية التحتية الرقمية؛ بينما يوفر اليقين السياسي في أوروبا نقاط ارتكاز منخفضة المخاطر للسندات طويلة الأجل.
إن معلم الـ 10 تريليونات دولار للاقتصاد الأخضر العالمي هو انعكاس ثلاثي الأبعاد لمنطق رأس المال، وهيكل الصناعة، والقوة الجغرافية. تحت الدفع المزدوج لأمن الطاقة والقدرة التنافسية، تتحول الأصول الخضراء من "استثمار موضوعي" إلى "تخصيص رئيسي"، وستحدد المنافسة والتكامل بين المناطق اتجاه تدفقات رأس المال في العقد القادم.