لماذا حصلت الفلبين على المزيد من التزامات الاستثمار، لكنها لم تتمكن من الاحتفاظ برأس المال الحقيقي
المشكلة التي تواجهها الفلبين حاليًا ليست “هل يوجد اهتمام من المستثمرين الأجانب” بل “هل يمكن تحويل هذا الاهتمام إلى مشاريع، وهل يمكن تحويل المشاريع إلى رأس مال”. تُظهر البيانات الرسمية أن التزامات الاستثمار الأجنبي المعتمدة في الفلبين خلال الربع الأول من عام 2026 ارتفعت على أساس سنوي، لكن هذه الالتزامات تظل في جوهرها خططًا غير ملزمة، ولا تزال تفصلها سلسلة طويلة عن بناء المصانع فعليًا، وشراء المعدات، والتوظيف، وصرف رأس المال. وفي الوقت نفسه، انخفض صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) الفعلي إلى الفلبين، ما يدل على أن السوق يقيّم قدرة البلاد على تحويل الاستثمارات إلى واقع بطريقة أكثر حذرًا.
هذا النوع من التباين ليس نادرًا في دورة الاستثمار العالمية. ففي العامين الماضيين، واصلت الشركات العابرة للحدود البحث عن بدائل للتصنيع وسلاسل التوريد خارج الصين من جهة، وفي الوقت نفسه أصبحت تولي اهتمامًا أكبر لكفاءة تنفيذ المشاريع، وتكاليف الطاقة، وإمكانية الوصول اللوجستي، واستقرار السياسات. وكانت النتيجة أن رأس المال لم يتدفق بالتساوي إلى جميع الاقتصادات “المستفيدة من China+1”، بل تركز أكثر في الدول القادرة على استيعاب الطلبات بسرعة، وتوفير الدعم الصناعي، وخفض عدم اليقين التشغيلي. وتكمن مشكلة الفلبين في أنها تمتلك بوضوح أسبابًا لدخول القائمة، لكنها لم تكتسب بعد القدرة الكافية على تحقيق هذه الوعود.
ارتفاع التزامات الاستثمار لا يعني دخول رأس المال بالفعل
بلغت التزامات الاستثمار الأجنبي المعتمدة في الفلبين خلال الربع الأول 426 مليار بيسو، بزيادة تجاوزت 50% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وكانت مصادر الالتزامات الأبرز من كوريا الجنوبية وسنغافورة والصين، فيما تركزت المشاريع في مجالات الترفيه والتصنيع والإقامة والمطاعم. وعلى السطح، يبدو هذا وكأنه يعني أن المستثمرين ما زالوا مهتمين بالفلبين، بل ويبحثون عن فرص في بعض قطاعات الاستهلاك الخدمي.
لكن ما يستحق الانتباه أكثر هو الفجوة الكامنة وراء هذه الأرقام. ففي عام 2025، تراجعت التزامات الاستثمار الأجنبي المعتمدة في الفلبين بشكل حاد مقارنة بالعام السابق؛ ثم في بداية عام 2026، واصل صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الانخفاض، إذ تراجع بنحو أكثر من 30% على أساس سنوي خلال الشهرين الأولين. وبعبارة أخرى، لم يتحرك رأس المال بسلاسة على مسار الموافقة والتسجيل والتنفيذ، بل ظل عالقًا لفترة أطول في مرحلة الموافقة، بل إن بعض المشاريع لم تدخل بعد في مرحلة التنفيذ الفعلي.
تعكس هذه الظاهرة اتجاهًا عالميًا أوسع: في بيئة تتزامن فيها أسعار الفائدة المرتفعة، والتوترات الجيوسياسية، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد، لم تعد الشركات تكتفي بـ“الإعلان عن الاستثمار”، بل باتت تطالب بأن يكون الاستثمار أكثر قابلية للتنفيذ وبفترة استرداد أقصر. وبالنسبة لجنوب شرق آسيا، فإن من يستطيع تحويل الالتزامات إلى مصانع ومستودعات وموانئ ومراكز بيانات ومرافق طاقة هو الأرجح أن ينال الحصة التالية من تخصيص رأس المال.
رأس المال الصناعي في جنوب شرق آسيا يعاد ترتيبه
ليست الفلبين الاقتصاد الوحيد المتنافس على الاستثمار الأجنبي، لكنها تواجه أكبر قدر من الضغط الناتج عن المقارنة. ففي السنوات الخمس الماضية، حافظت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى جنوب شرق آسيا على مستويات مرتفعة، وبلغت في عام 2024 مستوى قياسيًا، كما ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر المرتبط بالتصنيع بشكل ملحوظ. رأس المال لا يغادر آسيا، بل يعاد توزيعه داخل آسيا.
تظل فيتنام أحد أبرز المستفيدين من هذه الجولة من انتقال الصناعات التحويلية.فيتنام لا تزال من أبرز المستفيدين من هذه الموجة الجديدة من انتقال الصناعات التحويلية. فصناعات الإلكترونيات والملابس وتجميع المكونات تواصل جذب الشركات متعددة الجنسيات لتوسيع طاقاتها الإنتاجية، وليس السبب فقط انخفاض تكلفة العمالة، بل أيضاً كثافة سلاسل التوريد لديها، وقاعدتها الصناعية الموجهة للتصدير، وسياساتها الصناعية الواضحة نسبياً. أما تايلاند فقد أصبحت تمتلك جاذبية جديدة في مجالات السيارات، والسيارات الكهربائية، وخدمات تكنولوجيا المعلومات، والبنية التحتية الرقمية، ولا سيما مع تسريع شركات السيارات وقطع الغيار الصينية لترسيخ وجودها هناك، ما جعل تايلاند لا تكتفي بكونها مركزاً تقليدياً لتصنيع السيارات، بل تتحول تدريجياً إلى نقطة إنتاج إقليمية لمركبات الطاقة الجديدة.
وبالمقارنة، لم تنجح الفلبين بعد في بناء ميزة الحجم الكافية في قدرتها على استقطاب الصناعات التحويلية. ففي الالتزامات المعتمدة لديها، لا تزال حصة القطاعات غير الإنتاجية مرتفعة نسبياً، ورغم أن الصناعات التحويلية ما زالت أهم مصدر لصافي الاستثمارات في حقوق الملكية، فإن تراجع حجمها يدل على أن الاستثمار الأجنبي لم يواصل زيادة رهانه على البلاد. وهذا يعني أن الفلبين لم تستفد بالقدر الكافي من الأثر المضاعف العالي الذي رافق توسع الصناعات التحويلية في جنوب شرق آسيا، وهو أحد أهم عوائد رأس المال في هذه المنطقة.
القصور الهيكلي أهم من التقلبات الدورية
إن إرجاع تباطؤ تدفق الاستثمار الأجنبي إلى الفلبين ببساطة إلى ارتفاع أسعار الفائدة العالمية أو تصاعد المخاطر الجيوسياسية ليس تفسيراً كافياً. فهذه الضغوط تؤثر أيضاً في فيتنام وتايلاند وماليزيا وحتى إندونيسيا، لكن قدرتها على استيعاب رأس المال ليست متشابهة. وما يحدد الوجهة الحقيقية لرأس المال هو ما إذا كانت الاقتصادات قادرة على تحويل حالة عدم اليقين الخارجية إلى ميزة تنافسية داخلية.
وتتركز القيود التي تواجه الفلبين أساساً في ثلاثة جوانب.
أولاً، لا تزال البنية التحتية من أبرز الاختناقات التي يذكرها المستثمرون الدوليون. فمشروعات الصناعات التحويلية تتطلب كهرباء مستقرة، وموانئ سلسة، وشبكات طرق موثوقة، وجداول زمنية لوجستية قابلة للتنبؤ، وهذه الشروط هي بالضبط ما يحدد ما إذا كانت الشركات ستنقل طاقات إنتاجها الإقليمية إلى هناك. وإذا لم تستطع البنية التحتية توفير بيئة «صديقة للصناعة التحويلية»، فسوف ينظر المستثمرون إلى الفلبين باعتبارها سوقاً أقرب إلى الاستهلاك أو الخدمات، لا مركزاً للإنتاج واسع النطاق.
ثانياً، ستؤدي مشاكل الأشغال العامة وكفاءة التنفيذ إلى تضخيم مخاطر المشروعات مباشرة. فعندما تقيّم الشركات متعددة الجنسيات مشروعاً جديداً، فإنها تدرج بالفعل زمن الموافقات، وتنفيذ العقود، والتنسيق المحلي، ومخاطر الفساد ضمن نموذج التكلفة. وبالنسبة للمشروعات الصناعية ومشروعات البنية التحتية التي تعتمد على استثمارات رأسمالية طويلة الأجل، فإن النصوص السياساتية وحدها لا تكفي لتشكيل ميزة تنافسية؛ وما يهم فعلاً هو ما إذا كان الوقت من توقيع العقد إلى بدء الإنتاج قابلاً للسيطرة.
ثالثاً، يزيد هيكل الطاقة من هشاشة الفلبين الخارجية. فارتفاع الاعتماد على الطاقة المستوردة يجعلها أكثر عرضة لتقلبات أسعار النفط العالمية والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وبالنسبة للشركات الصناعية، يعني ذلك أن تكاليف التشغيل واستقرار الإمدادات قد يتأثران معاً. وعلى النقيض من ذلك، حققت بعض المنافسين الإقليميين تقدماً أسرع في إمدادات الكهرباء، وفي دعم الطاقة داخل المناطق الصناعية، وفي فتح المجال أمام الطاقة المتجددة، ولذلك فهي أكثر قدرة على جذب الاستثمار الأجنبي الحساس للتكلفة.
الإصلاحات تحدث، لكن الوتيرة لا تزال غير كافية لتغيير تفضيلات الاستثمارالفلبين ليست غافلة عن المشكلة. ففي السنوات الأخيرة، نفّذت البلاد سلسلة من الإصلاحات حول النظام الضريبي، وانفتاح الخدمات العامة، وإتاحة الوصول إلى الطاقة الخضراء. وخفض ضريبة دخل الشركات، وفتح قطاع الخدمات العامة بشكل أوسع أمام الاستثمار الأجنبي، والسماح بملكية أجنبية بنسبة 100% في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كلها خطوات مهمة نحو إطار استثماري أكثر انفتاحًا.
ولا تكمن أهمية هذه الإصلاحات فقط في تحسين شروط الدخول القانونية، بل أيضًا في أنها تحاول إرسال إشارة إلى رؤوس الأموال العالمية مفادها أن الفلبين مستعدة للانتقال من سوق حمائية إلى منصة استقبال منفتحة. وبالنسبة للشركات متعددة الجنسيات التي تسعى إلى تموضع إقليمي، فإن فتح الاستثمار الأجنبي في قطاعات الطاقة والاتصالات والنقل ومشاريع الطاقة المتجددة يعني أن السوق المحلية تحاول توفير منظومة صناعية أكثر تكاملًا.
لكن الانفتاح في السياسات لا يعني تلقائيًا عودة رؤوس الأموال. فالمستثمرون يهتمون أكثر بما إذا كانت الإصلاحات قادرة على عبور “المسافة الأخيرة” من «إقرار اللوائح» إلى «تنفيذ المشاريع». ويمكن لتعديل الضرائب أن يضيق الفجوة مع فيتنام، ويمكن للانفتاح القانوني أن يحسّن شروط الدخول، لكن إذا لم ترتقِ المناطق الصناعية وشبكات الكهرباء والموانئ وإجراءات التراخيص في الوقت نفسه، فستظل رؤوس الأموال تختار وجهات أكثر نضجًا.
جوهر المنافسة الإقليمية انتقل من “هل نرحب بالاستثمار الأجنبي” إلى “من يستطيع استيعاب الاستثمار الأجنبي بسرعة”
لم تعد خريطة المنافسة في جنوب شرق آسيا اليوم مجرد تنافس على “هل سيأتي الاستثمار الأجنبي إلى هذه المنطقة”، بل أصبحت تنافسًا على “أين سيستقر هذا الاستثمار بعد دخوله: في أي دولة، وأي قطاع، وأي مدينة”. وهذا يعني أن أبعاد المنافسة انتقلت من الشعارات الكلية إلى التنفيذ على المستوى الجزئي.
تعتمد فيتنام على تجمعات التصنيع التصديري وسلاسل صناعة الإلكترونيات ونظام المناطق الصناعية لتواصل أداء دور قاعدة إنتاج بديلة؛ وتستفيد تايلاند من تراكمها في صناعة السيارات وسياسات المركبات الجديدة للطاقة لجذب استثمارات في السيارات الكاملة والمكونات؛ بينما تعزز ماليزيا وسنغافورة مكانتهما أكثر في التصنيع المتقدم والتمويل والخدمات الرقمية ووظائف المقرات الإقليمية. وإذا أرادت الفلبين تجنب التهميش في هذه الجولة الجديدة من إعادة الترتيب، فعليها أن تجد ميزتها النسبية بشكل أوضح: هل هي مركز للتصنيع التجميعي الموجّه إلى الاستهلاك الإقليمي، أم عقدة لوجستية ورقمية تخدم عمق آسيان، أم موقع ناشئ لاستيعاب مشاريع الطاقة المتجددة والبنية التحتية الكهربائية؟
ومن منظور منطق الاستثمار، ليست الفلبين بلا فرص، لكنها تحتاج إلى الاندماج بشكل أوضح في سلاسل القيمة الإقليمية. فعلى سبيل المثال، لا بد من إنشاء تجمعات صناعية أكثر قدرة على المنافسة في مجالات الطاقة المتجددة، ولوجستيات الموانئ، والبنية التحتية للبيانات، وبعض حلقات التصنيع المحددة، حتى يمكن تحويل ميزة السكان واللغة الإنجليزية إلى ميزة رأسمالية. وإلا فسيواصل المستثمرون الأجانب النظر إلى الفلبين بوصفها “سوقًا يمكن أخذها بعين الاعتبار”، لا “مركزًا لا بد من التمركز فيه”.
بالنسبة لرأس المال العالمي، مشكلة الفلبين هي نقص اليقين
في ظل إعادة تسعير رأس المال العالمي للمخاطر الجيوسياسية ومرونة سلاسل الإمداد، أصبح اليقين أهم من الكلفة المجردة. فالشركات لا تنظر الآن فقط إلى مستوى الأجور أو الحوافز الضريبية، بل تنظر أيضًا إلى استمرارية السياسات، وأمن الطاقة، وإمكانية الوصول إلى البنية التحتية، وتكلفة التمويل، وقنوات التصدير. والاقتصادات التي تستطيع تلبية هذه الشروط مجتمعة هي وحدها التي ستحصل على حصة أكبر في الجولة الجديدة من تفكيك التصنيع وتوطين سلاسل الإمداد إقليميًا.وهذا يفسر أيضًا لماذا، رغم الزيادة في تعهدات الاستثمار، لا يزال السوق متحفظًا بشأن القدرة التنافسية طويلة الأجل للفلبين. فالمشكلة الحقيقية ليست التقلبات القصيرة الأجل، بل ما إذا كانت قادرة على بناء «آلية تنفيذ» خاصة بها خلال الدورة المزدهرة لصناعة التصنيع في جنوب شرق آسيا. وإذا لم تستطع، فستظل التعهدات حبرًا على ورق، وسيتدفق رأس المال إلى الدول المجاورة الأسرع والأكثر استقرارًا والأقدر على تحقيق التنفيذ على نطاق واسع.
بالنسبة إلى صانعي السياسات في الفلبين، لم تعد المهمة في المرحلة التالية هي الاستمرار في إثبات أن «رأس المال الأجنبي يرغب في النظر إلى الفلبين»، بل إثبات أن «الفلبين قادرة على جعل رأس المال الأجنبي يعمل فعليًا». وفي سباق استثمارات التصنيع في جنوب شرق آسيا، غالبًا ما تكون هذه القدرة أكثر حسمًا من الإعلانات السياسية.